حسن الأمين
148
مستدركات أعيان الشيعة
مختصر كتابه ( العين ) في المجلد الثامن من المستدركات ودراسة عن كتاب العين نفسه في المجلد الثالث وننشر هنا هذه الدراسة المكتوبة بقلم ميشال زكريا : قال الزجاجي في كتاب « إيضاح علل النحو » . « ذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد ، رحمه الله سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو ، فقيل له عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك ، فقال : إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها . واعتللت أنا بما عندي إنه علة لما عللته منه . فان أكن أصبت فهو الذي التمست وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام ، وقد صحت عنده حكمة يأتيها بالخبر الصادق وبالبراهين الواضحة والحجج اللائحة فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال : إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا وسنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك . فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار ، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة ، إلا أن ذلك مما ذكره الرحل محتمل أن يكون علة لذلك . فان سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق بالمعلول فليأت بها » . يتبين لنا من خلال إعادة قراءة هذا النص قراءة معاصرة في ضوء التطور الحاصل في مجال الألسنية أو علم اللغة الحديث أن الخليل نظر إلى اللغة نظرة متطورة جدا ، واعتمد في تحاليله اللغوية منهجية علمية دقيقة ويكون هذا النص في الواقع جوابا قد يكون أراده الخليل وافيا لسؤال طرح عليه في ما يتعلق باستقراء القواعد العربية وتفسيرها . وما يجدر لفت الانتباه إليه هو أن هذا النص الموجز يقدم [ أحوبة ] أجوبة دقيقة لمسائل مهمة هي في صميم الاهتمامات الألسنية الحالية ، وبخاصة في إطار النظرية التوليدية والتحويلية لمؤسسها الألسني نعوم تشومسكي . وبامكاننا بالاستناد إلى هذا النص التطرق إلى خمس مسائل ألسنية هي حاليا من أهم هذه المسائل : الملكة اللسانية وقواعد اللغة ، اللغة بنية منتظمة ، عمل اللغوي ، اعتماد المنهجية التفسيرية في التحليل اللغوي ، تعدد القواعد للمسألة الواحدة ومسألة تقييم القواعد . الملكة اللغوية يقول الخليل « إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، السجية عبارة عن ملكة ثابتة في النفس ، والطباع عبارة عما طبع عليه الإنسان ، فيكون معنى كلام الخليل هذا أن العربي حين يتكلم إنما يصدر كلامه عن سجية أي عن ملكة ثابتة قد طبع عليها ، وهذه الملكة مقدرة كلامية جبل بها العربي فهي قائمة لديه بشكل طبيعي . وهذا ما يفسر إلمام العرب بشكل طبيعي بلغتهم . والعرب عرفت مواقع كلامها » فالعربي الذي يتكلم لغته على سجيته يعرف مواقع الكلام أي قواعد اللغة والمقدرة على التكلم عند العربي ، أو الملكة اللغوية كما تمكن تسميتها ، هي المعرفة بقواعد اللغة . وذلك لأن العرب يضيف الخليل « قام في عقولها عللها » ( الهاء عائدة إلى الكلام ) . فالملكة إذا هي في عقل العربي ، وبالتالي ، مقدرة عقلية قائمة في عقل المتكلم وفي رأي الخليل تفسر بقدرة العربي على التكلم فالمتكلم من العرب امتلك ، والحال هذه ، ملكة لغوية قائمة في عقله هي كناية عن معرفة بمواقع الكلام أو بقواعد اللغة . ويؤكد الخليل وجود هذه المعرفة بقواعد اللغة عن العرب « وإن لم ينقل ذلك عنها » . والخليل يرى هنا ، أن هذه المعرفة معرفة ضمنية قائمة في عقل المتكلم وليست ، في الواقع ، معرفة مباشرة بالإمكان نقلها عن صاحبها . فالملكة اللغوية كما بمقدورنا الاستنتاج من قول الخليل هنا ، معرفة ضمنية قائمة في عقل المتكلم من العرب وهي بالذات معرفة بقواعد الكلام . وعملية التكلم عند العربي إنما تتم على السجية والطباع أي بواسطة هذه الملكة اللغوية التي - هي كما توضح لنا - كناية عن المعرفة الضمنية بقواعد اللغة . نصل هنا إلى تحديد لعملية التكلم مشابه ، عند الخليل ، لتحديد هذه العملية عند تشومسكي مؤسس النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية ، أحدث نظرية السنية وأعمقها معمول بها حاليا . يسمي تشومسكي المقدرة على التكلم بالملكة اللغوية فيقول : « يشير مصطلح الملكة اللغوية إلى قدرة المتكلم - المستمع المثالي على أن يجمع بين الأصوات اللغوية وبين المعاني ، في تناسق وثيق مع قواعد لغته » . ( 1 ) وهذه الملكة اللغوية ينطبع عليها الإنسان منذ طفولته وخلال مراحل اكتسابه اللغة وترتبط بصورة وثيقة بقواعد اللغة كما يقول تشومسكي : « فمن الواضح جدا أن للجمل معنى خاصا تحدده القاعدة اللغوية وأن كل من يمتلك لغة معينة اكتسب في ذاته وبصورة ما ، تنظيم قواعد تحدد الشكل الصوتي للجملة ومحتواها الدلالي الخاص ، فهذا الإنسان قد طور في ذاته ما نسميه بالملكة اللغوية الخاصة » . ( 2 ) اللغة بنية منتظمة يشبه الخليل بن أحمد الفراهيدي اللغة « بدار محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام » ، ففي نظره تكون اللغة بنية قائمة على أصول ثابتة ومتينة وتتماسك عناصرها وتتسق . واللغة « عجيبة النظم والأقسام » فانتظام العناصر في هذه البنية عجيب بمعنى أنه يتم على نحو أقل ما يقال عنه أنه غير بسيط ونفهم هنا كلمة عجيب بمعنى غير عادي ، فالبنية اللغوية إذا غنية جدا ومعقدة وأقسامها أيضا « عجيبة » فهي بنية قائمة على عناصر منتظمة وعلى أقسام أو مستويات . وعجيبة من حيث انتظام العناصر وتماسك المستويات . وما لا شك فيه أنه ينبغي لمن يحاول دراستها القيام بمجهود قوي . ينظر الخليل في هذا النص إلى اللغة من حيث أنها ملكة بشرية رائعة وخارقة يمتلكها الإنسان ويمتاز بها عن سائر المخلوقات ، وبالتالي تشكل موضوع دراسة علمية ينبغي على العالم اللغوي أن يقوم بها لاكتشاف قوانينها وتفسيرها . وبالإمكان ملاحظة هذه النظرة إلى اللغة في النظرية الألسنية التوليدية والتحويلية . يقول تشومسكي في هذا الصدد : « واضح أن اللغة التي يكتسبها كل إنسان هي بنية غنية ومعقدة ولا يمكن تحديدها عبر المظاهر اللغوية المتوافرة والمجزأة . لذلك يبدو البحث العلمي في طبيعة اللغة صعبا ومحددة نتائجه » . ( 3 )
--> ( 1 ) LA Limguistique Cartesiome ( 1969 ) Noam Chomsky 126 PariS Sevil ( 2 ) المرجع السابق صفحة 125 . ( 3 ) . Reflexions on Language New York ( 1975 ) Noam Chomsky .